حياة أكاديمية

 عام من عُمره في الدراسة. هذه الفترة طويلة بما يكفي لتُستخدم كلمة “حياة” في توصيفها، كما في “حياة أكاديمية”.

كل ما على الفرد فعله خلال تلك الفترة هو المُشاركة في لُعبة محددة الأهداف، ومُحددة القواعد، ومُحددة المُستويات، وذات نظام مُحدد للتقدم واحتساب النقاط. كُل شيء مُنظم ومُعد بصُورة مُسبقة، وهو ما يعني أن اللُعبة بأكملها حتمية Deterministic. بسبب طبيعة اللُعبة، فبإمكان الفرد أن يرى نُقطة النهاية من موقعه عند نُقطة البداية.

تمر الأعوام الـ 18 سريعًا، وبصُورة أو بأخرى يصل الجميع للمُستوى الأخير وتنتهي اللُعبة، ويبدأ الجميع في التطلع لبدأ اللُعبة التالية.

إلى أن يكتشفون أنه بدءًا من تلك اللحظة على كُل منهم تصميم اللعبة التالية بنفسه.

فجأة لم تعُد هناك أهداف مُحددة سلفًا، ولا قواعد مُحددة سلفًا، ولا أساليب قياس مُحددة سلفًا، ولا مُستويات مُحددة سلفًا، ولم يعُد بالإمكان رؤية نُقطة النهاية من الأساس. فجأة أصبح عليهم القيام بكُل ذلك بمُفردهم.

الأمر أشبه بفرد يتبع خريطة لطريق مُمهد، وإذا به فجأة يجد نفسه أمام مُحيط. بدون مُقدمات اختفى الطُريق، ولم يعُد يرى أمامه سوى مُسطح مُمتد عديم الملامح لا أول له ولا آخر. كُل ما يعرفه هو أن عليه مُغادرة المكان وعبُور المُحيط نحو وجهة ما، ولكنه لا يعرف أين عليه الذهاب، ولا كيف بإمكانه الوصول. هو لم يرسم خريطة بنفسه في حياته، ولم يتعلم السباحة.

بالنسبة لمن يمرون بهذا الوضع للمرة الأولى، فهذه الحالة من عدم التأكد هي التعريف الحرفي للفزع. عندما يتحدث الناس عن أن “الحياة الحقيقية” تقع خارج أسوار الجامعة، فليس المقصود أن الحياة الأكاديمية تحدث داخل الـ Matrix، وإنما المقصود أن حقيقة الحياة – كونها كتلة من عدم اليقين بشأن ما على الفرد فعله – تتجلى خارج أسوار الجامعة، حيث يتحتم على الفرد اختيار الطريق أصلًا، وليس مُجرد السير في طريق مُعد سلفًا.

عند هذه النُقطة تتباين اختيارات الأفراد وفقًا لشخصياتهم وظروفهم ومدى استعدادهم. هُناك من يُقرر أن يترك نفسه للأمواج تتقاذفه حيث تشاء، وهُناك من يُقرر نسخ ما يفعله من حوله لعجزه عن (أو لكسله عن) التفكير لنفسه بنفسه، وهُناك من يُقرر ركوب الموج لفترة بحثًا عما يُريد فعله.

وهناك من يتقلب بين كل تلك الأوضاع في فترات مُختلفة من حياته.

قد تطول فترة وجود الفرد في ذلك المكان وقد تقصر، أو قد لا يُغادره أبدًا. حتى وإن تمكن الفرد من الخروج منه، فهذا لا يعني أنه لن يعود إليه مرة أخرى؛ بمُجرد أن ينتهي المستوى الأخير من اللعبة التي اختار المُشاركة فيها، فسيجد نفسه قد عاد إليه مرة أخرى ليبدأ من جديد.

قد يعتقد المراهقون أن من حولهم من “البالغين” قد انتهوا من تحديد أهدافهم وأنهم يتمتعون بحياة مُستقرة مُحددة المعالم خالية من التفكير في مثل هذه الأمور، وهو أبعد ما يكون عن الصحة. لو نظر الفرد بداخل رؤوس “أغلب” هؤلاء البالغين فلن يرى سوى أطفال ليست لديهم أدنى فكرة عما يريدون فعله بحياتهم، وسيتضح له أن حركتهم الظاهرية منبعها التثاقل، وليس وجود وجهة مُحددة يتقدمون نحوها.

https://www.facebook.com/mohamed.a.haggag/posts/10211051774121023